الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

178

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بهم ، وفي هذا تفصيل للإجمال الذي في قوله : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ . والجملة بعد ( أنّ ) المفتوحة في تأويل مصدر . فالتقدير : ذلك بسبب تحقق مجيء الرسل إليهم فكفرهم بهم . وأفاد المضارع في قوله : تَأْتِيهِمْ تجدد الإتيان مرة بعد مرة لمجموع تلك الأمم ، أي يأتي لكل أمة منهم رسول ، فجمع الضمير في تَأْتِيهِمْ و رُسُلُهُمْ وجمع الرسل في قوله : رُسُلُهُمْ من مقابلة الجمع بالجمع ، فالمعنى : أن كل أمة منهم أتاها رسول . ولم يؤت بالمضارع في قوله : فَكَفَرُوا لأن كفر أولئك الأمم واحد وهو الإشراك وتكذيب الرسل . وكرر قوله : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بعد أن تقدم نظيره في قوله : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إلخ إطنابا لتقرير أخذ اللّه إياهم بكفرهم برسلهم ، وتهويلا على المنذرين بهم أن يساووهم في عاقبتهم كما ساووهم في أسبابها . وجملة : إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ تعليل وتبيين لأخذ اللّه إياهم وكيفيته وسرعة أخذه المستفادة من فاء التعقيب ، فالقويّ لا يعجزه شيء فلا يعطل مراده ولا يتريث ، و شَدِيدُ الْعِقابِ بيان لذلك الأخذ على حد قوله تعالى : فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 42 ] . [ 23 - 24 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 23 إلى 24 ] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ ( 24 ) هذا ذكر فريق آخر من الأمم لم يشهد العرب آثارهم وهم قوم فرعون أقباط مصر ، وتقدم نظير هذه الآية في أواخر سورة هود . وتقدم ذكر هامان وهو لقب وزير فرعون في سورة القصص . وفي هذه القصة أنها تزيد على ما أجمل من قصص أمم أخرى أن فيها عبرتين : عبرة بكيد المكذبين وعنادهم ثم هلاكهم ، وعبرة بصبر المؤمنين وثباتهم ثم نصرهم ، وفي كلتا العبرتين وعيد ووعد . وجملة : فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ معترضة بين جملة وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى وبين جملة فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ [ غافر : 25 ] . وقارون هو من بني إسرائيل كذب موسى ، وتقدم ذكره في القصص ، وقد قيل إنه كان منقطعا إلى فرعون وخادما له ، وهذا بعيد لأنه كان في زمرة من خرج مع موسى ، أي فاشترك أولئك في رمي رسولهم بالكذب والسحر كما فعلت قريش .